باكو نعناع

Saturday, February 18, 2012

"الباكو بخمسين قرش والثلاثة بجنيه يا أستاذ ... نعناع يجلي الزور ويودي الكحة"

هكذا صاح بائع النعناع في عربة مترو الأنفاق ثم بدأ في إلقاء باكو نعناع علي ساقي الجلوس. رمقه رجل تبدو عليه علامات الإرتياح المادي بنظرة ضيق قالاً في نفسه "إيه القرف دة ... هما ازاي يسمحوا للناس دي يعملوا كدة؟ ... المترو كمان هيتملي باعة جائلين؟"

هذا هو كل ما رأه "اخينا" وربما الكثيرين من ركاب المترو، لكنه لم يلاحظ أن بائع النعناع شاب في منتصف العشرينيات، رث الثياب، يلبس حذاءً تكاد تخترقه أصابع قدميه من كثرة الثقوب، وبالتأكيد لن يقية قسوة برد القاهرة وأمطارها وإوحالها. لم يسأل "أخينا" نفسه: "هوه إيه اللي رماه على كده؟"

حدث هذا أثناء زياتي الأخيرة لمصر ولا أعرف لماذا تذكرته بعد نقاش على فاسبوك لام فيه البعض أهالي الأطفال الذين يقتلون في التحرير أو يصابون بالخرطوش (اللي مش موجود أصلاً) علي تركهم يتعرضون لهذي الأذي. تسألت في نفسي: "ولماذا تفترضون أن هؤلاء الأطفال لهم أساساً أهالي؟ لماذا لا يكونون من أطفال الشوارع الذين يقدرون بالملايين الأن؟" وحتي لو كان لهم أهالي فعلاً، هل نستطيع لوم من إفتقد أبسط أولويات الحياة الأدمية من مسكن وتعليم ومأكل علي أنه لا يربي أبناءه أو يرعاهم كما يجب أن تكون الرعاية، من وجهة نظرنا. فهؤلاء الأطفال بالتأكيد ليسوا من الزمالك أو المهندسين أو الدقي لكنهم غالباً من عزبة أبو حشيش أو حكر أبو دومة أو عزبة النخل، ألخ ألخ. مناطق لم يدخلها أحدنا قط، فكيف نسمح لأنفسنا الحكم علي "المدفونين فيها بالحيا"؟

نحن جميعاً، ولا أبريء نفسي، نعاني أزمة إنفصال تام عن حقيقة مجتمعنا. في ليل القاهرة البارد، يجلس كل منا أمام المدفئه علي مقعده الوثير، يحمل الأي-باد أو اللابتوب باهظ الثمن، يحتسي كوبا من الكاكاو الدافيء، ثم نبدأ جميعاً في ممارسة هواية التنظير علي صفحات فاسبوك. نبدأ في لوم "البلطجية" الذين هم بلطجية لا لشيء إلا لأن "أشكالهم مش عاجبانا" أو لوم أخلاقيات اخريين نحكم عليهم من خلال إطار أخلاقي طبقي للغاية. إطار أخلاقي إستعلائي لا يحمل أي نوع من الأدمية أو الاعتبار للظروف الإقتصادية و الأجتماعية للهؤلاء البشر.

نمارس هواية إحتقار فتاة لا تعجبنا تصرفاتها بدون أن نعلم أنها تعيش و خمسة من اخوتها مع أمها وزوج أمها وأمه وأخته الغير متزوجة في عشة صفيح من غرفة واحدة. يتقاسمون حماماً غير ادمي مع خمس عائلات أخري. بل ربما تكون قد تعرضت للإغتصاب من زوج أمها من قبل. وقبل أن يتهمني القاريء بأني "بعمل أفلام"، حاول البحث عن إحصائيات زنا المحارم في العشوائيات.

لا أفهم كيف يمكننا التعامل بمثل هذه الطبقية مع هؤلاء البشر في حين اننا سبب رئيسي لمأساتهم. فكم منا يحاول فعل أي شيء لمساعدة هؤلاء الأحياء الأموات؟ التكافل الإجتماعي ليست مسؤولية دوله فقط وانما هو مسؤلية أفراد ومجتمع مدني أيضاً. حتي الكثير من المتدينين يظنون أن مسؤليتهم تتوقف عند أخراج زكواتهم سنوياً بدلا من إن يفهموا أن مساعدة هؤلاء البشر مسؤليتهم. وطالما اننا لا نفعل شيئاً لمساعدتهم، فلا يحق لنا مطلقاً إطلاق الأحكام عليهم بمنتهي قسوة القلب وبرود الضمير.

يبقي التكافل والعدالة الاجتماعيه أكبر مشكلات مصر، قبل حتي الحرية. ستنجح الثورة يوم أن تحل مشكلة العشوائيات، وسنستحق لقب "بني أدم" عندما نساهم في حل مشكلة "أطفال" تركناهم نحن "للشوارع".











0 comments:

Post a Comment