عندما نزلت في مظاهرات الخامس والعشرين من يناير في واشنطون، لم نكن ندرك ما نحن بصدده. كانت في البدايات مجرد مظاهرة تطالب بالمزيد من الحريات والعدالة الإجتماعية ثم تطورت المظاهرات بعد ذلك لنصل إلي إقصاء الطاغية في الحادي عشر من فبراير. التزايد التدريجي لزخم الثورة فضلاً عن فجاءه الأحداث المتلاحقة لم تدع لنا فرصة للوم النفس أو الإحساس بالعجز.
ثم مرت ليلة التاسع عشر من مارس كأقسي ما يكون. مرت الدقائق بطيئه و مؤلمة وأنا أشاهد عرس الحريه في بلادي لأول مره. هاله من القدسية كانت تغلف مشهد الطوابير الطويله الشديدة التحضر لشعب قالوا عنه أنه غير مؤهل للحريه. ظللت غير قادر على التوقف عن البكاء لما يزيد عن الست ساعات لعجزي أن أكون جزءًا من هذا المشهد المقدس. لم أنم طوال الليل وحتي قاربت مواعيد الاقتراع علي نهايتها. مر اليوم ولم أكن اتخيل أن يأتي ما هو أقسي منه.
أما الليلة، ليلة الثامن من يوليو، لا استطيع حتي البكاء. أشعر بضيق حقيقي في الصدر. وخز لا استطيع تجاهله حتي بالحديث مع الأصدقاء. فالليلة، ليست كسابقيها. الليلة ليلة فارقه في تاريخ هذا الوطن. ليلة أما أن يصبح وطني بعدها ذلك الوطن الذي طالما حلمت به، بل وهربت منه منذ ثلاثة عشرة سنة لأني لم استطع أن أره غير ذلك أو أن يعود وطني عقوداً إلي الوراء. الليلة، ليلة ليست فيها مفاجآت. كلنا يعلم ما تعنيه في سبيل هذا الوطن. الليلة ليلة فيها ندرك جيداً أن ألف شهيد، علي أقل تقدير، قد دفعوا حياتهم ثمناً لرفعه هذا الوطن، ونحن الأحياء لم نستطع حتي الأن أن نحقق لهم ما دفعوا حياتهم من أجله أو حتي أن نعيد لذويهم حقوقهم بقصاص عادل.
الليلة ليله أدرك فيها أني كان يجب أن أكون في الميدان مع بني وطني ندافع جميعاً عنه ونطالب بحقه و حق ابنائنا في مستقبل يستحقونه. ليلة كان يجب علي فيها أن أصرخ مطالباً بحق كل قطره طاهرة من دماء الشهداء. الليلة ليلة أعلم فيها أن بعض من أحبهم سيكونون في الميدان وإني كان يجب أن أكون بجانبهم أدفع عنهم الأذي حتي لو فديتهم بحياتي.
الليلة تتلاشي المسافات بين ما أحب ومن أحب حتي يصبحون الوطن و يكون الوطن هم.
إحساس بعجز تقف الكلمة عاجزة عن وصفه. إحساس بخيانه وطن طالما طنطن لساني بأني أحبه. لكنه عندما احتاجني لم يجدني بجانبه. ليلة أشعر فيها وكأن صلاح جاهين يقول لي:
إسيبها وأطفش في درب وتبقي هي في درب ...
وحتي مش لاقياني جنبها في الكرب
الليلة ليلة ادرك فيها أني أخطاءت. كنت ومازلت أعتقد أن معظم المصريين كانوا سيرضون بالطاغية أو ابنه حتي لو إستمرا إلي الأبد. لكني أخطأت عندما رفضت أن أكون من تلك الأقلية الصابره الثائرة المرابطة.
أخجل حتي أن اطلب العفو ممن في الميدان. فحتي لو سامحوني على تخلي عنهم، فكيف سيسامحني الشهداء.
اطلب فقط العفو أني لم استطع إخفاء ذلك.
عذراً وطني ... خذلتك.
Ottawa, Canada
July 8th, 2011
0 comments:
Post a Comment