لله وللوطن ... مصر، بين مطرقة الوهابية وسندان الكنيسة

Saturday, May 14, 2011

بداية، أرجو من كل من يريد مهاجمتي محاولة التفكير والتدبر وإدراك أن المكتوب ليس قدحاً في الأديان أو الأشخاص وأنما نقد موضوعي، من وجهة نظر  كاتبه على الأقل، لفكر ساهم بقوة في تشكيل وجدان أمه، والله الموفق. 

لك الله يا وطني ... ما كدت تفرح بإنتهاء أسوأ ثلاثة عقود في تاريخك الطويل، حتي بدا شبح الفتنة الطائفية الكريه مخيماً بظلاله على كل شبر فيك. أصبح الكثير من المصريين أسري ثقافة الكراهية اللتي سادت مجتمع عرف دأئماً، ليس فقط بإعتداله الديني، وإنما تفرده في شكل العلاقة بين أبناء وطن واحد متعدد الديانات والأعراق والثقافات. مجتمع مشي فيه يوماً إثنان فقط من الرجال خلف جنازة الشهيد حسن البنا، هما والد البنا ومكرم عبيد المصري المخلص. مكرم عبيد القبطي الذي تعيش خالدة أبد الحياة مقولته الشهيرة "نحن مسلمون وطناً ونصارى ديناً". 

وحتي لا أطيل في ديباجه لا طائل منها، أظن أن ثقافة الكراهية ليس لها إلا سببان. الأول، سيطرة الفكر الوهابي علي ساحة العمل الإسلامي منذ منتصف السبعينيات تقريباً والثاني سيطرة فكره إحتلال مصر عند الأقباط منذ بداية السبعينيات. 

نشأ الفكر الوهابي في القرن الثامن عشر الميلادي من خلال حركه دينيه سياسية عسكريه قاد الجناح الديني فيها محمد بن عبد الوهاب وقاد الجناحين السياسي والعسكري فيها محمد بن سعود. قام الفكر الوهابي الديني على فكرة أساسية هي أن فهم محمد بن عبد الوهاب لمنهج السلف، خاصة في مسائل التوحيد، هو الفهم الصحيح للإسلام، وأن أتباع هذا الفكر أو الفهم هم الفرقة الناجية، تخصيصاً لأنفسهم من بين كل فرق أهل السنه والجماعة. تزامن هذا مع بعض المظاهر الإشراكيه عند بعض قبائل نجد.

تحالف محمد بن عبد الوهاب مع إبن سعود، أحد أمراء نجد على أن يدعم كل منهما الأخر فأستغل إبن سعود فكر عبد الوهاب في اضفاء صبغة دينية على محاولاته فرض سيطرته على نجد وأستغل إبن عبد الوهاب القوه العسكريه السياسية لإبن سعود في نشر فكره. حاربت هذه الحركه الخلافة العثمانية مرتين وخرجت عليها أخيراً في بدايات القرن العشرين. وأنا هنا لست بصدد تفنيد الفكر نفسه أو نقد أشخاص بعينهم، ولكني فقط أحاول تسليط الضوء على فكر معين نشأ في ظل ظروف خاصة جداً جغرافية، دينية، سياسية ،مناخيه وديموغرافية. 

وبالرغم من الإختلاف في الكثير من مسائل العقيدة والتوحيد بين فكر محمد بن عبد الوهاب، المبني على العقيدة الطحاوية، و بين فكر معظم المصريين المبني على العقيدة الأشعرية، فأن مد الفكر الوهابي إلي مصر تأخر منذ قيام الدوله السعودية في أوائل القرن العشرين أو حتي بعد إكتشاف النفط أواخر ثلاثينيات نفس القرن، إلي منتصف السبعينيات لعدة أسباب نذكرها بإيجاز. 

أولاً، على المستوي العربي، بداء إنتشار الفكر الوهابي مع حالة الإنحسار السياسي التي مرت بها مصر بعد توقيع معاهده السلام ومقاطعة العرب لمصر في ظل تنامي الدور السعودي علي المستوي العربي خاصة مع تدفق الاستثمارات النفطية. ثانياً، على مستوي مصر، بدء إنتشار الفكر الوهابي مع تزايد أعداد العاملين المصريين في السعودية وتأثرهم بالبيئه الدينيه هناك، فكانوا أفضل سفراء لهذا الفكر عند عودتهم. تضاعفت المشكلة كثيراً بسبب الإنحسار الشديد لدور الأزهر الشريف، نتيجة لتحجيم الرئيس المخلوع لدور أي تيار ديني معتدل. فلقد كان الأزهر يلعب دورين مهمين في مصر، أولهما أنه مؤسسة دينية تطرح جميع الرؤي الإسلامية بدون تكفير أو إحتكار للحقيقة، وثانيهما، أن الأزهر مثل (بتشديد الثاء) موسسية التعليم الديني فلم نكن نسمع عن أي شيخ ذهب إلي السعودية لعدة أشهر لتلقي العلم علي يد بعض المشايخ ثم يعود ليتبوأ منبر الفتوى. 

كيف ساهم الفكر الوهابي إذاً في نشر فكر الكراهية في مصر؟ على مستوي العلاقه بين المسلمين وأنفسهم، إنتشر فكر الاتهام بالزندقه، والتفسيق، والتبديع، ومختلف أشكال التكفير إلي المصريين. فأصبحنا نسمع عن تفسيق من يصلي في الحسين -- حتي وأن لم يتشفع بالحسين -- مثلا ونسمع من يقول أن الشيخ الشعراوي، إمام المفسرين في العصر الحديث، فاسد العقيدة (قبل أن تتهمني راجع التسجيل الصوتي على يوتيوب للألباني والذي أبي أن أضع الرابط له هنا). وعلي مستوي العلاقة بين المسلمين والأقباط فأصبحنا نسمع عن كلام مثل عدم جواز بناء الكنائس أو تجديد ما يهدم منها في بلاد المسلمين، وهو حديث حتي وإن كان له مرجعية شرعية عند أصحاب الفكر الوهابي في بلاد لا يوجد بها غير المسلمين، إلا أنه غير واقعي وغير قبل للتطبيق على الإطلاق في بلاد بها تعددية دينية، وهناك العديد من الآراء أيضاً ذات المرجعية الشرعية التي تبيح ذلك، وعلي المهتم الرجوع لاجتهادات الدكتور سليم العوا مثلاً. وبالطبع هذا الحديث لا يحتاج إلي عبقري لكتشاف مدي الكراهية الناتجه عنه بين أبناء الوطن الواحد.

فلماذا أذا تساهلت الدولة مع مثل هذا الاتجاه بالرغم من تشددها مع الإتجاهات ذات الطبيعه الاسلامية الأخري الأكثر اعتدالاً مثل الإخوان -- مع الاحتفاظ بحقنا في الإختلاف معهم أيضاً؟ السبب بسيط جداً وهو أن الفكر الوهابي لا يبيح الخروج على الحاكم "وإن جلد ظهرك وأخذ مالك" -- هكذا يقولون. وبالتالي، فلا خطر على حاكم ظالم، وعلي المعترض الرجوع إلي فتاواهم قبل الخامس والعشرين من يناير في مصر. أما الإخوان، فهم يسعون بوضوح إلي السلطة، مما يمثل خطر مباشر على الحاكم. والطريف، أن السعودية قامت بعد الخروج على الخلافه الإسلاميه نفسها ثم ينكرون الخروج على الحاكم. 

هذا عن إنتشار فكر الكراهية من ناحية المسلمين، أما بالنسبة للأقباط فالمسألة أبسط بكثير ولا تحتاج إلي مثل كل هذا التحليل التاريخي. فكنيسة الاسكندرية طالما كانت كنيسة مصرية وطنية قلباً وقالباً وقفت كتفاً إلي كتف بجانب الأزهر في محاربة الاستعمار وكانت المظاهرات تخرج من الأزهر يقودها رجل دين مسلم بجانب أخيه رجل الدين القبطي كشريكين في وطن واحد ليس فيه أقلية أو أغلبية وإنما أخوة يجمعهم حب مصر وكراهية المستعمر، الذي هو في حقيقة الأمر أقرب إلي الأقباط في الديانة من المسلمين. إلا أنه منذ بداية السبعينيات قد بدأ فكر جديد يغلب على الطابع الوطني للكنيسة المصرية هدفه بث الكراهية الشديده للمسلمين في صدور أقباط مصر. وبالطبع الأمر مختلف لدي اخواننا الأقباط نظراً لقداسة رجال الدين في الديانة المسيحية. وكانت الفكرة المسيطرة على الكنيسة هي أن المسلمين مغتصبوا أرض مصر وأن الأسلام إنتشر بحد السيف، وتناست الكنيسة أن وجودها إبتداءً دليل على عدم صحه هذه الدعاوي، ناهيك عن جميع آثار مصر القبطية و٨٪ من سكان مصر. فلم نلبث إلا وأن نسمع أن مسلموا مصر ضيوف على الأقباط في ما يسمي مجازاً "أزمة العوا--بيشوي". 

ومن يحتك بالأقباط في مصر يستطيع تبين أن معظم من هم أقل ٥٠ عاماً متشبعون بهذا الفكر أما من تجاوز الستين وقضي بعض من سنوات الادراك في كنف مصر الوطنية فهم يعرفون ماهية العلاقة الحقيقية بن المسلمين والاقباط في مصر. 

أما عن رد فعل الدولة سابقاً ولاحقاً عند حدوث مشكلات طائفية، فحدث ولا حرج. فدائماً نكتفي بالمشهد اللطيف للقسيس والشيخ يتبادلان الضحكات الإعلامية والأحضان السينمائية، بدون أي إعتبار حقيقي للاختراع الذي عرفه العلم أجمع الا وهو سيادة القانون، بدون إعتبار لديانة أي شخص. أما الآن فالمشهد لم يتغير الا بزيادة الرحلات المكوكيه التي يقوم بها الشيخ محمد حسان بين حلوان وقنا و خلافه، في محاولة رأب الصدع عن طريق حل عرفي، وكأننا نرفض أن نتعلم. 

وللحديث بقية إن كان للصبر بقية ...

0 comments:

Post a Comment